أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
203
العقد الفريد
جامع : أما إنهم لو أحبّوك لأطاعوك ، على أنهم ما شنئوك « 1 » لنسبك ، ولا لبلدك ولا لذات نفسك ، فدع عنك ما يبعدهم منك إلى ما يقرّبهم إليك ، والتمس العافية ممن دونك ، تعطها ممن فوقك ، وليكن إيقاعك بعد وعيدك ، ووعيدك بعد وعدك . قال الحجاج : إني واللّه ما أرى أن أرد بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف ! قال له : أيها الأمير ، إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار قال الحجاج : الخيار يومئذ للّه . قال : أجل ، ولكن لا تدري لمن يجعله اللّه . وغضب الحجاج فقال : يا هناه ، إنك من محارب . فقال جامع : وللحرب سمّينا وكنّا محاربا * إذا ما القنا أمسى من الطّعن أحمرا والبيت للخضري . قال الحجاج : واللّه لقد هممت أن أقطع لسانك فأضرب به وجهك ! قال جامع : إن صدقناك أغضبناك ، وإن غششناك أغضبنا اللّه ، فغضب الأمير أهون علينا من غضب اللّه ! قال : أجل . وشغل الحجاج ببعض الأمر ، فانسل جامع « 2 » ، فمر بين صفوف خيل الشام حتى جاوز إلى خيل أهل العراق - وكان الحجاج لا يخلطهم - فأبصر كبكبة فيها جماعة من بكر العراق ، وقيس العراق ، وتميم العراق ، وأزد العراق ؛ فلما رأوه اشرأبّوا « 3 » إليه وبلغهم خروجه ، فقالوا له : ما عندك ؟ دافع اللّه لنا عن نفسك ! فقال : ويحكم ! عمّوه بالخلع كما يعمكم بالعداوة ، ودعوا التّعادي ما عداكم ، فإذا ظفرتم [ به ] تراجعتم وتعاقبتم . أيها التميمي ، هو أعدى لك من الأزدي ؛ وأيها القيسي ، هو أعدى لك من التّغلبيّ ؛ وليس يظفر بمن ناوأه منك إلا بمن بقي معه . وهرب جامع من فوره ذلك إلى الشام ، فاستجار بزفر بن الحارث .
--> ( 1 ) شنئوك : أبغضوك . ( 2 ) انسلّ : خرج خفية . ( 3 ) اشرأبّوا إليه : مدّوا أعناقهم ينظرون إليه .